نصر حامد أبو زيد

55

الاتجاه العقلي في التفسير

حال الفعل ، بمعنى أن الحركة التي يأتيها الانسان هي فعل للّه يكتسبه العبد بالقدرة الحادثة ، ولكن هذه القدرة الحادثة هي التي تؤثر في الحال الحركة فتجعلها قياما أو قعودا أو صلاة أو سجودا . وبكلمات أخرى فإن تحويل الحركة المخلوقة للّه والمكتسبة من العبد إلى طاعة أو إلى معصية ، والحركة تحتمل الأمرين ، أمر من فعل العبد بهذه القدرة الحادثة « وتلك الجهة هي المتعينة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب . فإن الوجود من حيث هو وجود لا يستحق عليه ثواب وعقاب . خصوصا على أصل المعتزلة ، فإن جهة الحسن والقبح هي التي تقابل بالجزاء . والحسن والقبح صفتان ذاتيتان وراء الوجود . فالموجود من حيث هو موجود ليس بحسن ولا قبيح » 38 وهكذا انتهى الباقلاني إلى تحميل الانسان مسؤولية قبح الفعل وحسنه ، ونفى ذلك عن اللّه نفيا تاما ، وبذلك نجح في سد الثغرة التي كانت قائمة بين « العدل » و « التوحيد » وأخضع كل ما يحدث في العالم لقدرة اللّه وإرادته الشاملة . وإذا كانت مقدمات الباقلاني عن المعرفة في كتبه تعدّ أول مقدمات وافية تصلنا عن هذا الموضوع ، فمن المؤكد أنه تأثر فيها خطى المعتزلة وآراءهم ، تلك الآراء التي لم تصلنا متكاملة ، وإن بقيت منها شذرات حاولنا - قدر الامكان - أن نتعرّف عليها فيما سبق . يعرّف الباقلاني العلم بأنه « معرفة المعلوم على ما هو به » 39 ويقسمه إلى نوعين « فعلم قديم ، وهو علم اللّه ، عز وجل ، وليس بعلم ضرورة ولا استدلال ، وعلم محدث ، وهو كل ما يعلم به المخلوقون من الملائكة والجن والأنس وغيرهم من الحيوان » 40 . وينقسم علم المخلوقين إلى قسمين « فقسم منها علم ضرورة ، والثاني منها علم نظر واستدلال » 41 . أمّا العلم الضروري فهو « علم يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الخروج عنه ولا الانفكاك منه ، ولا يتهيأ له الشك في متعلقه ولا الارتياب به » 42 وهذه العلوم الضرورية « تقع للخلق من ستة طرق . فمنها درك الحواس الخمس وهي : حاسة الرؤية ، وحاسة السمع ، وحاسة الذوق ، وحاسة الشم ، وحاسة اللمس . وكل مدرك بحاسة من هذه الحواس من جسم ، ولون وكون ، وكلام ، وصوت ، ورائحة ، وطعم ، وحرارة ، وبرودة ، ولين ، وخشونة ، وصلابة ، ورخاوة ، فالعلم به يقع ضرورة . والطريق السادس هو العلم المبتدأ في النفس لا عن درك ببعض الحواس وذلك نحو علم الانسان بوجود نفسه وما يحدث فيها وينطوي عليها من اللذّة والألم ، والغمّ والفرح ، والقدرة ، والعجز ، والصحة ، والسقم . والعلم